ابن عربي
37
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
شديد الظلمة ، وليس لنا فيه نور سوى ما ينبعث من ذواتنا ، فكانت الأنوار تنفهق علينا من أجسامنا فنضيء بها ، فدخل علينا شخص من أحسن الناس وجها ومنطقا ، فقال : أنا رسول الحق إليكم ، فكنت أقول له : فما جئت به في رسالتك ؟ فقال : اعلموا أن الخير في الوجود ، والشر في العدم ، أوجد الإنسان بجوده ، وجعله واجدا ينافي وجوده ، تخلق بأسمائه وصفاته ، وفني عنها بمشاهدة ذاته ، فرأى نفسه بنفسه ، وعاد العدد إلى أسه ، فكان هو ولا أنت . فأخبرت الجماعة بالواقعة ، فسروا وشكروا اللّه . ثم وضعت رأسي في عبّي فنظمت في نفسي أبياتا في المعرفة ، ونام أصحابي فاستيقظ عبد اللّه وناداني : يا أبا عبد اللّه . فلم أجبه كأني نائم . فقال لي : ما أنت بنائم ، أنت تعمل شعرا في معرفة اللّه وتوحيده . فرفعت رأسي وقلت له : من أين لك هذا ؟ فقال لي : رأيتك تعقد شبكة رفيعة ، فأوّلت الخيوط المنثورة تعقدها شبكة معاني متفرقة تجمعها ، وكلاما منثورا تنظمه . فقلت : هذا يعمل شعرا . قلت له : صدقت ، فمن أين عرفت أنه معرفة اللّه وتوحيده ؟ قال : قلت : الشبكة لا يصاد فيها إلا ذو روح حيّ عزيز المأخذ ، فلم أجد شعرا فيه روح وحياة وعزة إلا فيما يتعلق باللّه تعالى . فكان تأويل رؤياه أعجب إلينا من الرؤيا رضي اللّه عنهم أجمعين . حكاية من لم يقيّد جوارحه أتعب قلبه حدثنا أبو محمد بن يحيى ، ثنا المبارك بن علي بن محمد ، عن عبد الملك بن بشران ، عن أحمد بن إبراهيم الكندي ، عن جعفر الخرائطي ، عن أبي العباس المبرّد ، عن هشام ، عن معمر بن المثنى ، قال : حجّ عبد الملك بن مروان ، وحج معه خالد بن يزيد بن معاوية ، وكان من رجالات قريش المعدودين وعلمائهم ، وكان عظيم القدر ، جليل المنزلة ، مهيب المجلس ، موقرا معظّما عند عبد الملك ، فبينما هو يطوف بالبيت إذ بصر برملة بنت الزبير بن العوام ، فعشقها عشقا شديدا ، وأخذت بجميع قلبه ، وتغير عليه الحال ، ولم يملك من أمره شيئا . فلما أراد عبد الملك القفول ، همّ خالد بالتخلف عنه فبعث إليه فسأله عن أمره ، فقال : يا أمير المؤمنين ، رملة بنت الزبير ، رأيتها تطوّف بالبيت فأذهلت عقلي ، فو اللّه ما أبديت لك ما بي حتى عيل صبري ، ولقد عرضت النوم على عيني فلم تقبله ، والسلو على قلبي فامتنع منه . فأطال عبد الملك التعجب من ذلك وقال : ما كنت أقول إن الهوى يستأثر مثلك . فقال خالد : وإني لأشدّ تعجبا من تعجبك مني ، فقد